محمد أبو زهرة
609
زهرة التفاسير
قاهر ، والكلام هنا في الترخيص من بعض المحرمات من غير إنهاء الإحرام دفعا للأذى من غير قهر . والكلام السابق كان في الأمور التي تمنع من الوصول إلى البيت الحرام ؛ أما الكلام هنا فهو قد يقع قبل الوصول إلى البيت الحرام أو بعده . والترخيص في الحلق له فدية ، وهي صوم ، أو صدقة ، أو نسك . والفدية هي العوض عن شئ عظيم جليل نفيس ؛ ولا شك أن محرمات الحج والعمرة أمور لها جلالها وخطرها ؛ لأنها مهذبات الروح والقلب ، فهي نفيسة جليلة ، وعبر سبحانه بالفدية ولم يعبر بكفارة ؛ لأنه لا ذنب ولا اعتداء ، حتى يكون التكفير من الإثم . والنسك جمع نسيكة وهي الذبيحة ، وتكون من النّعم : الإبل والبقر والغنم ، ويستيسر ولا يستصعب كما هو الشأن في أمور الإسلام . ولم يبين القرآن عدد أيام الصيام ، ولا عدد المساكين الذين يطعمهم ، ولا مقدار ما يتصدق به ، كما لم يبين أهذه الأنواع الثلاثة في مرتبة واحدة أيها اختار كان فيه غناء ، ولو كان قادرا على أعلاها . وإن السنة بيان القرآن قد فسرت ذلك وبينته ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم لكعب ابن عجرة وقد رأى الهوام تتساقط من رأسه : « لعلك آذاك هوامك » قال : نعم يا رسول الله قال : « احلق وصم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق على ستة مساكين ، أو انسك شاة » « 1 » . وفي رواية أخرى أنه قال : « احلق وأهد هديا » ، فقال : ما أجد هديا ، قال : « فأطعم ستة مساكين » ، فقال : ما أجد ، فقال : « صم ثلاثة أيام » « 2 » .
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ أخرجه البخاري : الحج - قول الله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً . . . ( 196 ) [ البقرة ] ( 1686 ) ، ومسلم - جواز الحلق للمحرم ( 2083 ) وقد رواه الأئمة بنحو من ذلك . ( 2 ) عن كعب بن عجرة الأنصاري أنه حدثه أنه كان أهلّ في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له : « كأنك تؤذيك هوام رأسك ؟ » قال : أجل ، قال : « حلق وأهد هديا » فقال : ما أجد هديا قال : « فأطعم ستة مساكين » فقال ما أجد فقال : « صم ثلاثة أيام » . [ التمهيد ج 2 ص 233 ] .